محمد راغب الطباخ الحلبي
593
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
الجرارة ودخل الآستانة عنوة وخلع السلطان عبد الحميد وأجلس السلطان محمد رشاد وسكنت تلك الفتن ، وعين لمنصب الصدارة حقي باشا ، وهذا أيضا اعتمد غاية الاعتماد على المترجم لما رآه فيه من الجد والنشاط وفرط الغيرة والإقدام ، فكان يوليه مهام الأمور ورقاه إلى رتبة ( ميرالاي ) . وبعد مدة وجيزة أظهرت الدولة الإيطالية نواياها تجاه طرابلس الغرب ، فساقت إليها جنودها وأساطيلها ، وعندئذ أعلن الحرب بينها وبين الدولة العثمانية ودامت نحو سنة . وكانت إيطاليا في أثناء ذلك تسعى السعي الحثيث في إيقاد نيران الفتنة والعصيان في البلقان لتشغل الدولة العثمانية عنها فتحول نظرها عن طرابلس الغرب إلى البلقان ، فظهرت فتنة الأرنؤوط وأعقبتها طغيان الماليسور في ولاية أشقودرة ، وانتشرت شرارات الفتنة إلى بلاد الأرنؤوط الجنوبية حتى حدود اليونان . فانتهزت عصابات البلغار والصرب واليونان هذه الفرص الثمينة ، وطفقت تنسل من كل حدب ، وصارت تأتي بأنواع الفظائع ، والدول الغربية تشجعها وتمدها مادة ومعنى ، فاضطرت عندئذ أن تقبل الدولة العثمانية مطاليب الأرنؤوط الأربعة عشر ، وكان أولها إسقاط الوزارة وفسخ مجلس المبعوثين ، فسقطت وزارة حقي باشا وأعقبتها وزارة سعيد باشا ، ثم ما لبثت أن سقطت وخلقتها وزارة الغازي أحمد مختار باشا . ظن هذا الشيخ الهرم أنه يتمكن من حل تلك المشكلات العظيمة بالطرق الحكمية بالاتفاق مع الدول الغربية وتوسطهم ، واغتر بمواعيدهم الخلابة ، فأمر بصرف الجيش النظامي المحتشد في ولايات البلقان المجهز بأنواع الأسلحة من الطراز الأخير ، وكان يبلغ 150 ألفا ، وعندئذ قام غير المسلمين من عناصر ( الأسلاو ) في قضاء برانة والتحقوا بعصاة الماليسوريين في ولاية أشقودرة وأخذوا اعتبارا من 14 تموز سنة 1328 رومية يحرقون الحصون التي على الحدود ويتجاوزون على الأطراف ويسفكون دماء الأبرياء وينهبون ويسلبون . فأرسلت حينئذ دولة النمسا قرارا إلى الدولة العثمانية يحتوي على مادتين مصدقتين من قبل الدول العظمى ، وخلاصتهما إعطاء الحكم الاختياري إلى كل من مكدونيا وبلاد الأرنؤوط ، فاستقالت عندئذ وزارة أحمد مختار باشا وخلفتها وزارة كامل باشا الصدر المشهور .